الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
149
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً تذييل للجملة التي قبله لما فيه من عموم يشمل كل باطل في كل زمان . وإذا كان هذا شأن الباطل كان الثبات والانتصار شأن الحق لأنه ضد الباطل فإذا انتفى الباطل ثبت الحق . وبهذا كانت الجملة تذييلا لجميع ما تضمنته الجملة التي قبلها . والمعنى : ظهر الحق في هذه الأمة وانقضى الباطل فيها ، وذلك شأن الباطل فيما مضى من الشرائع أنه لا ثبات له . ودل فعل كانَ على أن الزهوق شنشنة الباطل ، وشأنه في كل زمان أنه يظهر ثم يضمحل ، كما تقدم في قوله تعالى : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً في صدر سورة يونس [ 2 ] . [ 82 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 82 ] وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً ( 82 ) عطف على جملة وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [ الإسراء : 81 ] على ما في تلك الجملة والجمل التي سبقتها من معنى التأييد للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ومن الإغاظة للمشركين ابتداء من قوله : وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [ الإسراء : 73 ] . فإنه بعد أن امتن عليه بأن أيده بالعصمة من الركون إليهم وتبشيره بالنصرة عليهم وبالخلاص من كيدهم ، وبعد أن هددهم بأنهم صائرون قريبا إلى هلاك وأن دينهم صائر إلى الاضمحلال ، أعلن له ولهم في هذه الآية : أن ما منه غيظهم وحنقهم ، وهو القرآن الذي طمعوا أن يسألوا النبي أن يبدله بقرآن ليس فيه ذكر أصنامهم بسوء ، أنه لا يزال متجددا مستمرا ، فيه شفاء للرسول وأتباعه وخسارة لأعدائه الظالمين ، ولأن القرآن مصدر الحق ومدحض الباطل أعقب قوله : جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [ الإسراء : 81 ] بقوله : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ الآية . ولهذا اختير للإخبار عن التنزيل الفعل المضارع المشتق من فعّل المضاعف للدلالة على التجديد والتكرير والتكثير ، وهو وعد بأنه يستمر هذا التنزيل زمنا طويلا . و ما هُوَ شِفاءٌ مفعول نُنَزِّلُ . و مِنَ الْقُرْآنِ بيان لما في ( ما ) من الإبهام كالتي في قوله تعالى : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ الحج : 30 ] ، أي الرجس الذي هو الأوثان . وتقديم البيان لتحصيل غرض الاهتمام بذكر القرآن مع غرض الثناء عليه بطريق الموصولية بقوله : ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ إلخ ، للدلالة على تمكن ذلك الوصف منه